القرطبي

12

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ثم صالحوا على الجلاء . ولم يكن قتال على التحقيق ، بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار ، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : اعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسول صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة . ( ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) أي من أعدائه . وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه . الثانية - قوله تعالى : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) قال ابن عباس : هي قريظة والنضير ، وهما بالمدينة وفدك ، وهي على ثلاثة أيام من المدينة وخيبر . وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله . وبين أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سهمانا لغير الرسول نظرا منه لعباده . وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها ، هل معناهما واحد أو مختلف ، والآية التي في الأنفال ، فقال قوم من العلماء : إن قوله تعالى : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخمس لمن سمي له ، والأخماس الأربعة لمن قاتل . وكان في أول الاسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولا يكون لمن قاتل عليها شئ . وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما . ونحوه عن مالك . وقال قوم : إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب ، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئا والأولى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين . وقال معمر : الأولى : للنبي صلى الله عليه وسلم . والثانية : هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه . والثالثة : الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين . وقال قوم منهم الشافعي : إن معنى الآيتين واحد ، أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم ، أربعة منها للنبي صلى الله عليه وسلم . وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم : سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا وسهم لذوي القربى - وهم بنو هاشم وبنو المطلب - لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفئ . وسهم لليتامى . وسهم للمساكين . وسهم لابن السبيل ، وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالذي كان من الفئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور ، لأنهم القائمون